حاوره عاصم الشيدي :طريا كالندى المتساقط يظهر الأديب والأستاذ أحمد الفلاحي في كل المحافل الثقافية محملا بالتراكمات التي أسست المشهد الثقافي في السلطنة. تراه مبتسما دائما لأنه يرى أحلام جيله تتحقق واقعا معاشا، وأن الأحلام التي كان ورفاقه يحلمون بها في سبعينات القرن الماضي تجاوزها الجيل الجديد إلى أحلام أكبر وأكثر انفتاحا على الأفق المعرفي والأدبي.أسس مجلة الغدير عام 1977 وكان مدير تحريرها قبل أن تتوقف عام 1984 وبين تلك المرحلة وما تمر به الثقافة في السلطنة في وقتنا الراهن كانت ساحة الحوار الذي نعده يؤرخ لمرحلة مهمة من رجل مهم عايش جل التفاصيل التي مرت بها الثقافة في السلطنة.
• قبل أيام كنتَ في مقدمة من حضروا انتخابات جمعية الكتاب لانتخاب إدارة جيدة للجمعية. ورغم الدعوات الكثيرة لك لترؤس الجمعية منذ بدايتها إلا أننا نراك تصر على الابتعاد .. لماذا؟
أعتقد أنني لا أصلح للإدارة أساسا هكذا قيل عني وهكذا أرى نفسي. لكن كنت من بين الأشخاص الذين دفعوا بالجمعية وكنت من بين المؤسسين ومن الساعين إلى وجود كيان يلم الكتاب منذ السبعينات وقد بينت بشيء من التفصيل تلك المحاولات في مقالة نشرتها عندما تم إشهار الجمعية وعن مسيرة الطموح والنزوع نحو إنشاء جمعية منذ بداية الفكرة. وعندما أشهرت الجمعية كان ثمة إلحاح من الكثيرين وبينهم مسؤولون كبار في الدولة أن أتولى رئاسة الجمعية لكن فكرة الإدارة لا تستهويني وقد لا أستطيع النجاح فيها. لكن رغم ذلك فأنا قريب جدا من الجمعية منذ الإدارة المؤقتة يوم تقدمنا بطلب تأسيس جمعية بعد صدور المرسوم الذي سمح بإنشاء جمعيات أهلية وحتى بعد انتهاء الإدارة المؤقتة في الانتخابات الأولى التي انتهت مدتها قبل أيام كنت قد ترأست أول جمعية عمومية لهذه الجمعية التي انبثقت عنها الإدارة الأولى المنتخبة وكنت فخورا بذلك. وظللت على صلة قريبة بتلك الإدارة حتى نهايتها واليوم انا قريب جدا من الإدارة الجديدة الحالية التي فازت وسأظل مع الجمعية أخدمها وأساندها ولن أبتعد عنها في كل إداراتها باستمرار.
• ولكن ألا تعتقد أن غيابك وأمثالك قد يفقد الجمعية أو هو كذلك نوعا من الدعم الأكبر من قبل الجهات الحكومية؟
أنا لا أظن أنها قضية أشخاص ونحن رأينا الجمعية في إدارتها المنتخبة الأولى كيف نشطت وأثبتت وجودها ونحن حتى لو لم نكن في الإدارة فنحن قريبون منها محاورون ومنتقدون ومقترحين ومشاركين بكل ما نستطيع فالجمعية لا نريدها جمعية أفراد وإنما للكتابة في عمان بكل أطيافها وتنوعاتها وأظن أن الجمعية تتجه هذا الاتجاه.
ونعتقد أن الجمعية أدت دورها وكانت مواقفها واضحة خلال السنتين الماضيتين ومواقفها صلبة ومحمودة تجاه أعضائها عندما تعرضوا للمساءلات فهي لم تتخل عنهم وأدت دورها وقامت بواجبها ومثلت عمان خير تمثيل في اللقاءات والمؤتمرات خارج البلد عبر أعضائها من الكتاب من شعراء وسرديين ومقاليين وباحثين، وليس من خلال أعضاء الإدارة فقط. وحملت معها في حضورها ومشاركاتها الثقافة العمانية والأدب العماني إلى تلك الملتقيات وغلى الأوساط الأدبية هناك كما أقامت الصلات الوثيقة مع المؤسسات النظيرة ووقعت العديد من الاتفاقيات وانضمت إلى اتحاد الكتاب العرب مشاركة في لجانه وندواته. والإدارة الحالية ستواصل الخطى على نفس المسار وستخطو خطوات أوسع واكبر ماضية في نفس الاتجاه لكن العمل التطوعي دائما ما يواجه الكثير من الصعوبات ونعرفه منذ زمن حيث لا يعمل في الغالب إلا أعضاء مجلس الإدارة وقليل منهم، حتى الاشتراك لا يدفع إلا القليل وأحد أعضاء الجمعية من الكتاب الشباب لم يدفع الرسوم وهي 10 ريالات إلا عندما أراد من الجمعية أن تطبع له كتابه لأنه اكتشف أنه ليس عضوا رسميا. والكثيرين لم يكونوا قد دفعوا رسوم عضويتهم حتى قبيل الانتخابات ولذلك لم يتمكنوا من الاقتراع وكثير من الكتاب للأسف لم يحضروا حتى الانتخابات.
• رغم أنه كان عرسا ثقافيا؟
نعم ونحن نفخر لأن جمعيتنا تكاد تكون من القلة بين الجمعيات التي كرست فكرة الانتخابات ويصعد أعضاء إداراتها بالانتخاب ويشرف على انتخاباتها القضاء وسط شفافية كبيرة لكن نحن نأمل من الإدارة الجديدة أن تحاول التواصل أكثر مع الكتاب والشعراء والمثقفين. وكان المشروع قائما منذ الفترة الماضية ان نذهب إلى الكتاب والشعراء من الجيل القديم حتى لا تظهر الجمعية وكأنها فقط للكتابات الحديثة أما غير المقتنعين بفكرة الجمعية وغير الراغبين في الانضمام لها والمصرين على مقاطعتها فلا تستطيع الجمعية إجبارهم ولكنها مع ذلك ستبذل محاولاتها لاستقطابهم ولن تتوقف عن ذلك لأنها تؤمن ان كل كاتب عماني هو عضو فيها وإن ابتعد.
• عايشت تفاصيل المشهد الثقافي في السلطنة منذ سنواته الأولى. بعد هذه السنوات كيف تنظر لهذا المشهد؟
المشهد الثقافي في السلطنة قياسا بما كان قبل عشرين عاما نستطيع القول أنه وصل ألان إلى مرحلة جيدة واستطاع تخطي المحاولات الأولى. فالآن مثلا طباعة الأدب الجيد تتبناه مؤسسات رسمية مثل وزارة التراث والثقافة والنادي الثقافي . والكتاب العماني الجديد مثل القصة والرواية والشعر نجده اليوم حاضرا في مختلف معارض الكتب في الدول العربية مع الكتب العربية الأخرى وكان شبه نادر. الآن لا يكاد مؤتمر أو تجمع ثقافي يعقد في الوطن العربي إلا وفيه مشاركة عمانية فاعلة في النقاشات والحوارات وإدارة الجلسات ولم يكن ذلك متاحا من قبل . ولكن رغم كل ذلك أقول لك بصدق أن عن المشهد الثقافي ما زال دون الطموح بكثير، لا تزال المسافة كبيرة بينا وبين الآخرين وبيننا وبين ما نطمح إليه وبيننا وبين ما نستطيع فعله، فنحن لدينا إرث كبير وتاريخ عظيم ونستطيع أن نفعل الكثير ولكننا للأسف لم نقم بفعله.
• ألا تلاحظ أن مجمل الإصدارات الحالية تنحصر في السرد والشعر وسط قلة في الكتب النقدية والفكرية؟
هذا الكلام مطروح منذ التسعينات و يتكرر كثيرا بين الوقت والآخر. كنا نشكو من عدم وجود هذه الكتابات الجديدة التي كانت شبه نادرة وقليلة تظهر على استحياء وكان طموحنا حينها أن تظهر مثل هذه الكتابات وكنا نحاول بإمكاناتنا المتواضعة أن نوجد الاسم العماني في صحفنا؛ الآن ومنذ بداية التسعينات بدأت هذه الكتابات يتوالى ظهورها بوتيرة حثيثة وقد تكاثرت وتنوعت والإصدارات تتواصل وهناك كمية كبيرة منها السردية والشعرية. أما النقد فهو دائما يسير خلف الإبداع ولا يسبقه لذلك علينا أن ننتظر، وعندما تكثر الإصدارات وتمتلئ بها البلد سيظهر النقد شئنا أم أبينا. بعض أشقائنا الكتاب والنقاد العرب حاولوا في فترة من الفترات مقاربة هذه الأنواع الأدبية وقيل الكثير عنهم بعضهم من قبل أنه كان يجامل بأكثر مما يجب وبعضهم من كان شديدا بأكثر مما يجب والقليل منهم كان متوازنا في مقاربته ولكن أظن مع كثرة هذه النصوص وتدفقها وتزايد الإصدارات سيأتي النقد الجيد ونحن نرى الآن بواكيره في الملاحق التي تتناول ما يشبه النقد وهناك أساتذة في جامعة السلطان قابوس والمؤسسات الأكاديمية الأخرى بدأوا في تقديم أطروحاتهم النقدية وهم جيدون إلى حد كبير.أما الكتب الفكرية المنظرة والعميقة ذات البعد المنطقي والفلسفس فهذه تحتاج إلى مزيد من الوقت ولا تأتي عادة إلا مع نضج الحركة الثقافية وتمددها ورسوخها وذلك قادم من غير شك في قابل الأيام.
• لكن لدينا رصيد سابق؟
الرصيد السابق مختلف ولا نقيس عليه. الكتب الفكرية المطلوبة اليوم مختلفة عن الكتب الفكرية التي عالجها علماؤنا الكبار. اليوم تطرح التساؤلات وتناقش وتحلل وفق فلسفات لم تكن موجودة في ذلك الوقت وهذا مستوى متقدم، وعلى أية حال فإن هذه الدراسات المسائلة والمنقبة والمتسمة بالعمق التي تشير إليها بدأنا نرى شيئا منها ونلاحظها وستأتي الفترة التي سيتوالى فيها صدور هذه الكتب والدراسات المعالجة، فأربعين سنة ليست بالعمر الطويل على مثل هذا النوع من البحث والكتابة.
• لم يلق الأدب العماني في العصور القديمة الانتشار الذي يتناسب مع مستواه الفني والإبداعي وكان يعلل ذلك بالعزلة التي كانت تعيشها عُمان. هل ترى اليوم في ظل كل المتغيرات أن الأدب العماني استطاع تحقيق الانتشار الذي يليق به؟
أنا أقول لا ليس بالمستوى الذي يرضي طموحنا. وقديما غيبت عمان بسبب العزلة الجغرافية وبسبب الوضع السياسي وغيبت بسبب المذهب، وهذا ليس من اليوم بل من عهد دولة بني أمية منذ ثورة يزيد بن المهلب على الدولة الأموية عندما كان والي الدولة وأحد رجالاتها العظام، كان الشعراء يمدحونه ويثنون عليه أمثال الثالوث الشعري الأكبر والأهم في ذلك الوقت الأخطل وجرير والفرزدق وهو فريق الإعلام الناطق باسم الدولة يومها، وعندما انقلب يزيد على الدولة وثار عليها لم يقولوا أنه خائن، نسي الجميل ولم يحملوه مسؤولية فعله كفرد، بل قالوا هذا العماني .. هذا المزوني وان أهل عمان كذا وأنهم كذا. الأدب العماني تضافرت عليه عدة عوامل حجبته عن البروز في الأدب العربي، حتى أن الأستاذ عز الدين التنوخي وهو من الباحثين المهمين في العصر الحديث قد تعجب أن يتيمة الدهر للثعالبي وهي في 6 مجلدات لم يرد فيها ذكر لشاعر عماني واحد، رغم أن الكثير من الشعراء العمانيين كانوا موجودين في تلك الفترة، ولكن لأسباب مختلفة لم يذكروا ولم يعرفوا.
ثم لو جئنا للعصور الحديثة فقد كانت عمان قبل مجيء عهد السلطان قابوس يحفظه الله معزولة عن العالم عزلة جغرافية وسياسية كان البلد مغيبا تماما وقد عايشنا نحن ذلك الوضع.
وقد قلت في مرات كثيرة أن المكان العماني ظالم لمبدعيه وكنت أذكر رجالا مثل أبو مسلم البهلاني وهو شاعر بقامة شوقي وأضرابه لكن لا يعرفه أحد من العرب إلا القلة القليلة ممن عاشوا في عمان او اقتربوا منها. وحتى الشاعر الشيخ عبدالله الخليلي الذي توفي عام 2000 وهو شاعر لا يقل عن أي من الشعراء العرب الذين نفخر بهم ولكنه ظل غائبا عن الساحة.
وفي العصر الحديث رغم أن لدينا صحافة وتلفزيون وعندنا وزارة معنية بالثقافة لكن أدبنا ما زال على نفس حالته غائبا لم ينتشر في الساحة العربية ولم يتوفر للراغبين في قراءته ودراسته والاطلاع عليه. وأظن ان على الجهات المعنية أن تفعل اكثر مما فعلت لإظهار الأدب العماني وإشهاره وترويجه وإعلامنا على مختلف تجلياته عليه أن يعطي الأدب العماني أكثر مما يعطيه الآنن سواء كان الأدب القديم أو حتى الأدب الجديد.
• في نفس السياق أيضا هل تعتقد أن الكتاب العماني القديم قد لقي من العناية ما يستحقه مع وجود باحثين ومؤسسات معنية به؟
نحن نشكر وزارة التراث والثقافة جزيل الشكر لتناولها تلك المخطوطات العمانية وطباعتها في فترة كانت تلك الكتب يتهددها خطر الضياع والفناء وكانت الرغبة كبيرة في نشرها للعالم. ربما ذلك كان متطلبا تلك المرحلة ولكن اليوم على الجهات المعنية أن تبذل جهودا أكبر لإعادة طباعة تلك الكتب بتحقيقات وبخدمة علمية متخصصة.
وعلى الجهات أن تأتي بمحققين سواء من السلطنة أو من خارجها من المختصين لإعادة تحقيق تلك الكتب مرة أخرى وإخراجها الإخراج اللائق الذي تستحقه.
• وبالنسبة للتاريخ هل تعتقد أنه بحاجة إلى إعادة كتابة مرة أخرى؟
نعم، نعم. هو يحتاج ذلك خاصة وقد توفرت الآن أشياء لم تكن معروفة. توفرت مخطوطات لم تكن موجودة تحت النظر، وتوفرت معلومات مترجمة. في الثمانينات قامت وزارة التراث والثقافة مشكورة بإقامة ندوة التاريخ العماني التي شارك فيها مجموعة من الباحثين المتخصصين من العرب والأجانب وكانت ندوة بالغة الأهمية خرجت في 8 مجلدات ثم في فترة لاحقة نظمت وزارة الإعلام ندوة مماثلة أضاءت إضاءات مهمة.
لكن ذلك لم يكن كافيا ومازلنا نحتاج على اكتشافا تاريخنا وتبيان موضوعاته وجلاء ملاباساته ومحاولة سد فراغاته وإعطاء إجابات عن مراحل وشخصياته واعلامه ن مازلنا نحتاج إلى عديد من أمثال هذه الندوات لتلقي المزيد من الضوء على جوانب تاريخنا المختلفة والمكتنفة بمزيد من الغموض واللبس سيما مع ظهور كثير من الكتب والدراسات الأكاديمية والبحثية التي كانت سرية والمخطوطات. إضافة إلى الدراسات والكتب الكثيرة في اللغات الأخرى عن تاريخ عمان وهناك كتب تحتوي على كم من المعلومات والأخبارعن تاريخ عمان مازالت مجهولة لدينا كما رأينا في البحوث التي قدمت في ندوة العلاقات الحضارية بين عمان واليمن والتي كشفت عن معلومات جديدة غير معروفة من قبل جرى استخراجها من مخطوطات يمنية بعضها لم يطبع حتى الان وبعضها ما هو مطبوع وقد وجدنا أن الكثير من كتب أشقائنا في اليمن بها معلومات تاريخية عن عمان منذ عهد اليعاربة والنبهانة وينبغي أن نسعى ونبحث عن هذه الكتب وعن غيرها في العواصم العربية والعالمية وعن الوثائق القديمة الخاصة بنا الموجودة في دور المخطوطات في اسطنبول ولندن ونيودلهي وطهران وفي أسبانيا والبرتغال وهولندا وأمريكا واليابان وألمانيا وفرنسا وغيرها.
• لديك نصوص شعرية كثيرة .. ألم يحن الوقت لتلم شتاتها في ديوان مطبوع؟
ليس لدي نصوص شعرية كثيرة. أنا عاشق للشعر منذ نعومة أظفاري ومنذ ما بدأت أعي وجدت الشعر يملأ بيتنا جدي وأبي وأمي وخالاتي كانوا جميعا يتمثلون بالشعر، لذلك دخل في ذاتي بقوة وحاولت أن أكتب الشعر ومثل غيري كتبت بعض التجارب ولكن ما كتبته من الشعر رأيته دون مستوى الشعر. وانا أزعم أني قارئ جيد للشعر العربي لذلك عندما أقيم ما أكتبه أجده دون المستوى بكثير. علما أنني لم أكتب الكثير. لكن بعض المواقف والأحداث تستفزني فأكتب لكنني لا أستطيع أن أسمي ما أكتبه شعرا.
ولم أنشر في حياتي إلا نصا واحد نشرته في ملحق شرفات يوم سقوط بغداد هي القصيدة الوحيدة التي تجرأت أن أنشرها لأني لا اعتبرها قصيدة بل هي في تقديري نفثة مصدور. والمصدور هو المصاب بداء الصدر وهو السل و الذي يكون قد دمى صدره وعظامه فهو حين ينفث ينفث الصديد والدم وكانت هذه القصيدة عن جاز لنا تسميتها كذلك شهقة الحسرة وصيحة الوجع فلم نكن نظن أننا سنشاهد في حياتنا ذلك المشهد المؤلم الذي رأيناه في قناة الجزيرة يوم 9 غبريل 2003 حيث أبصرت أعيننا الدبابات وهي تشق دربها لتدخل بغداد لم نكن نتصور حتى في الأحلام أن تسقط مدينة عربية بحجم بغداد .. بغداد عاصمة الخلافة وعاصمة التاريخ والتراث وعاصمة الأمجاد والحضارة العربية بكل تجلياتها وأطيافها بكل صنوفها كان مشهدا لا يطاق احتماله ولا تفيه العبارات ولا يزال حاضرا في ذهن ولا أظنه سيفارقني حتى الموت . فتلك الأبيات هي نوع من الغضب الداخلي كصيحة احتجاج من ذاتي ولكني لا أعتبرها شعرا.
• ولكن هي جزء من ذاتك؟
نعم بالتأكيد هي جزء من ذاتي وتمثل انفعالاتي الملتهبة في تلك اللحظة المؤلمة لكن الشعر له عندي مستوى معين فلكي تجعل نصا شعريا ينتمي إليك خاصة وأنك قارئ للشعر أن يكون على الأقل يقترب من الشعر. وقليل جدا من أصدقائي يعرفون عن محاولاتي قبل نشر تلك القصيدة البغدادية. ذات مرة كتبت شيئا وكنا في رحلة مع بعض الأصدقاء منهم الصديق الأستاذ عبدالله الرحبي الرئيس الحالي لتحرير جريدة عمان وكنا في مصيف صلنفه بمدينة اللاذقية السورية سنة 1989 وراق لي مشهد من مشاهد الجمال هناك ونحن تحت الأشجار المعمرة في ذلك المرتفع الجميل في غابات الفرلق قريبا من الحدود التركية كان مكانا خرافيا فجرت على قلمي تلك الكلمات التي اطلع عليها صدفة فيما بعد الصديق الشاعر الكبير الشيخ هلال السيابي فكتب قصيدة أعتز بها يحاول تشجيعي فيها ولكني لم أستطع حتى هذه اللحظة أن أغوص أعماق بحر الشعر واصطياد لئالئه الثمينة وما زلت أراني واقف على شاطئ أستمتع بما اصطاده ويصطاده عباقرة الشعراء.
• ثمة خطاب ظهر في المنتديات الإلكترونية يشير بأصابع الاتهام للشاعر سيف الرحبي، ويتهمه بعدم المساهمة في تحريك المشهد الثقافي في السلطنة ويرى الخطاب أن الرحبي لا يدخل في صراع مع السلطة فهل المثقف الحقيقي هو الذي يكرس مشروعه في صدام مع السلطة؟
سيف الرحبي علم من أعلامنا الأدبية والثقافية الذين نعتز بهم. وشخصيا لم أذهب إلى عاصمة عربية إلا وكان سيف الرحبي أول من أسأل عنه. سواء كان السائل من الشعراء أو من الروائيين او التشكيليين أو السينمائيين أو من الأوساط الأكاديمية حتى أن سيف الرحبي في الوسط الثقافي والأكاديمي العربي أصبح اسمه رديف لاسم عمان. وهذا في حد ذاته أمر نعتز به كل الاعتزاز ونقدره كل التقدير.
وسيف رجل يكتب ويبدع في هدوء وبعيد عن الضجيج. أما الأسماء التي تقدح فيه في المنتديات الإلكترونية فأنا أظن أنهم أسماء مع الاحترام لهم لا يعون ما يقولون. قبل يومين طلب مني كتابة شهادة في أحد الأصدقاء حيث ستصدر له جمعية الكتاب قريبا كتابا وفي تلك الشهادة أشرت إلى فئة من الثرثريين بغير هدف الذين يقولون غير المفيد ويبثونه عبر المنتديات الإلكترونية، وهؤلاء يفتعلون بطولات وهمية ويصولون ويجولون بالكلام وعليهم ان يسألوا انفسهم ماذا قدموا هم وماذا صنعوا للثقافة العمانية وماذا أضافوا لها سوى هذه الكلام الذي لا معنى له وليتهم صرفوا مواهبهم للإبداع ولكتابة الأدب الذي يبقى ويكون فخرا لهم في حياتهم وبعد مماتهم ملثما يفعل سيف الرحبي الذي لا تمر سنة إلا وله إصدار أو إصدارين وهذا هو الذي كون شخصية سيف الرحبي وأعطاه هذا الاسم وهذه المكانة وهذا التقدير والاحترام الذي يحظى به في كل بقعة حل فيها من النخب وقادة الفكر وانا أظن ان هذا هو الرد الذي يقدمه سيف الرحبي على مقولات ناقديه فهو ينتج ويعمل وهم يقذفون بالحجارة التي ترد عليهم.
• وماذا عن ربط المثقف الحقيقي بالصدام مع السلطة؟
هذا الكلام فات أوانه. نعم في وقت من الأوقات كان المثقفون الطليعيون في صدام مع بعض السلطات والأنظمة العربية؛ ولكنها كانت سلطات قمعية وأجهزة أمنية متوحشة وليس من داعي لذكر النماذج.
والوضع في السلطنة لا يمكن بأي حال مقارنته بما كان من تلك الأنظمة رغم أن الكثير منها تغير في الوقت الراهن نظرا للتغيرات التي يشهدها العالم.ونحن لا نريد أصلا أن نختلق حالة صدام مع الدولة أو السلطة. نحن طول حياتنا نشتغل من أجل هذا الوطن . حتى في الثمانينات عندما كانت مساحات حرية الرأي أقل مما هي عليه الآن كنا نعمل لصالح ما نعتقد أنه لصالح هذا البلد العزيز. أما هؤلاء الذين لم يقدموا للوطن شيئا ويدعون البطولة بالكلام في المواقع الإلكترونية فهم يسيئون لأنفسهم في المقام الأول. وربما بعض هؤلاء يسعون من خلال هذه الكتابات لكي يعتقلوا ليصيروا أبطلا مناضلين ، وهم عموما لا يمثلون توجها أو تيارا وليس هناك من يؤمن بثرثرتهم ودعاواهم حتى أقرب الناس إليهم.
وبالمناسبة هؤلاء أو بعضهم من المبدعين الموهوبين وقد كان من الممكن أن يقدموا إبداعا حقيقيا جيدا أما تضييع الوقت في أماكن الليل ثم الانثناء على مواقع الإنترنت بهذه الصورة فهو ضياع للإبداع والوقت الذي ينبغي أن يستغل في كتابات تفيد الناس وتنفعهم وللأسف فإن هذا المراء سيذهب في الهواء مع ذرات الغبار المتطايرة وعلى هؤلاء أن ينظروا للمثقفين في الوطن العربي .. جمال الغيطاني والطيب صالح وسهيل إدريس و الطاهر وطار أسماء لا تعد ولا تحصى في المشرق والمغرب يكتبون ويؤلفون ويعملون.
• ألا ترى أن السجالات الثقافية الصحفية كانت أكثر قوة في تسعينات القرن الماضي منها الآن واستطاعت أن تنتج حراكا ثقافيا أجمل؟
لا أعتقد أننا نفتقد ذلك في صحافتنا. وإذا قارنا تلك الفترة بالوضع الراهن ثمة فارق كبير بين الوضع الحالي والوضع السابق الآن مساحة الحرية معقولة قد لا ترضينا حيث نطمح دائما إلى المساحات الأفضل والأكبر. في تلك الفترة لم يكن في صحفنا حتى أعمدة رأي، ويحاسب رئيس تحرير جريدة عمان حمود السيابي لأنه انتقد النتائج السيئة التي حققها المنتخب الوطني. اليوم الناس تكتب وتجادل وتناقش في الحدود المتاحة لكن هذا لا يعني أن الوضع الحالي يرضي طموحاتنا وأنا أقول نحن في مستوى متقدم كثيرا عما كان و لو أنه أقل مما يجب أن يكون لبلد مثل بلدنا في حضارته وانجازه المعرفي.
• لديك علاقات مع كتاب كبار من أمثال نجيب محفوظ والطيب صالح وغيرهم ألا تعتقد أنه من الواجب للمشهد الثقافي أنك تكتب سيرتك الثقافية؟
أحد الأخوة كان يكلمني اليوم عن هذا الموضوع وعلاقتي بالطيب صالح. وأنا لا أزعم أن لدي تلك العلاقات القوية مع تلك الأسماء. نعم قد تكون واتتني الظروف أن أحضر جلسات نجيب محفوظ بفضل صديقي جمال الغيطاني ويوسف القعيد وندوة نجيب محفوظ كانت مفتوحة يحضرها الجميع وأنا كنت أطمح عندما كنت في القاهرة لحضورها وجمال الغيطاني ويوسف القعيد والأخوة أخذوني وهم كانوا الحواريين لنجيب محفوظ لكن لا أزعم ولا أدعي لنفسي أن نجيب محفوظ كان صديقي .. نجيب محفوظ قمة كبيرة وكاتب عظيم رغم أني أختلف مع بعض آرائه وأفكاره وكتبت هذا في الصحافة في حينها لكن نجيب محفوظ علم كبير وكانت جلساته مثرية جدا وجميع المثقفين الذين ينزلون للقاهرة من أساطين الأدب العربي كانوا يحضرون لندوة نجيب محفوظ.
أما الطيب صالح فتعرفت عليه هنا في السلطنة وهو اسم كبير وصارت بيننا شبه علاقة وكان بيننا تواصل. وكذلك جبرا إبراهيم جبرا وغيرهم. وأعود إلى سؤالك حول كتابة مذكراتي وكنت قد سئلت هذا السؤال مرات كثيرة ومن كثرة ما سئلت وأتعرض لما يشبه الضغوط يراودني هاجس كتابة مذكراتي في بعض الأحيان لكني أعود وأسأل نفسي من أنا لأكتب مذكراتي. الذي يكتب مذكراته واحد مثل طه حسين والجواهري ونزار قباني وفنان كبير مثل يوسف شاهين أو رئيس دولة أو حتى وزير وأنا لا أريد أن أضخم نفسي في الوقت الذي أيضا لا أحقرها، وأتمنى أن أستطيع قريبا تحقيق رغبة الأصدقاء.
• لكن هذا التواضع الزائد ربما هو الذي أفقد الأدب العماني كتابات كانت ستكون مهمة فيما لو أنتجها أصحابها؟
أسلافنا الكبار كانت لهم تآليفهم ولهم علمهم ولهم مكانتهم اما نحن فأقل من ذلك بكثير ونحن لا نرى الهالة التي يرها أصدقاؤنا فينا، وأنا ألملم الآن مقالاتي وكل سنة أخرج جزء منها استجابة لضغوط أصدقائي مما نشرته في جريدة عمان وما نشر في جريدة الوطن أو العقيدة أو الغدير في السبعينات والثمانينات. أما السيرة الذاتية أفكر فيها بجد الآن نتيجة هذا الإلحاح ونتيجة اعتقاد الناس أن لدي ما يمكن أن أقوله.
• لا شك أن ذكر مجلة الغدير يحرك فيك الكثير من الشواجن. ألم يراودك شعور لإعادتها مرة أخرى بعد توقف المشروع؟
الغدير تجربة جميلة ومهمة في تلك السياقات وأنا كتبت في جريدة عمان سنة 2000 عن قصة الغدير وهي تجربة أدت دورا في وقتها لكن لا يحتاج أيضا أن نضخمها أكثر من حقيقة الأمر. الغدير ظهرت في وقت لم تكن فيه ملاحق ثقافية وكانت تقوم بذلك الدور وكنا في أواخر السبعينات في ذلك الوقت وحتى كنا نتحدى قانون المطبوعات والنشر فقد كنا شبابا ونمتلئ حماسا وسبب توقف الغدير كان لا يخرج عن هذا السياق.
الآن المجلة الثقافية لا بد أن تكون مختلفة على الرغم من اعتزازي بالغدير فعندما يؤرخ للثقافة العمانية سيكون لها دورها، لكن إصدار مجلة في هذا الوقت يتطلب تحديات ومستوى معينا. اليوم نصبو أن تكون لدينا مجلة ثقافية مثل نزوى لا يمكن أن تكون مثل الغدير تكتب وتحرر في بيوت أصحابها. ونركض وراء المطابع ومع أناس ليسوا متخصصين، ولم يكن لدينا كادر كان ذلك نوع من المغامرة. عندما يفكر المرء في مجلة أخرى الآن لا بد أن تكون في مستوى نزوى التي تتلاقفها الأيدي في كل العواصم العربية.
ثم نحن شموسنا تتجه للغروب. ولكن عندي ثقة في هذا الجيل المبدع الذي أثبت أن عمان مليئة بالشباب المبدعين عندما تفتح لهم الفرص. في تلك الأيام كنا نبحث في مجلة الثقافة الجديدة التي أسسناها في النادي الوطني الثقافي في أوائل السبعينات عن الذي يكتب المقالة الحديثة فكأننا نبحث عن الماء في عمق الصحراء، نعم كان عندنا علماء كبار ومؤرخون وشعراء لكن كتابة المقالة بالأسلوب الجديد لم يكن يجيدها أعلامنا الكبار. الآن المشهد تغير وهذا جيل جامعة السلطان قابوس الذين نجدهم في كل المواقع وفي كل التخصصات وهذا شيء رائع جدا ولذلك نرى صحفا يومية تظهر بين الفترة والأخرى والقنوات الفضائية والإذاعات الخاصة وستأتي الأمور من جيلكم ومن الجيل الذي يليكم.
والغدير كانت مفتوحة لكل قلم عماني ولذلك تجد فيها كتابا من مسندم والبريمي ومن ظفار ونزوى وصور وإبراء وسمائل ومن كل الأطياف وهناك أسماء تبوأت المشهد الثقافي بدأوا في الغدير من ضمنهم زاهر الغافري أول ما نشر نشر في الغدير ومن ضمنهم محمد الحارثي ومبارك العامري وأسماء كثيرة . الغدير كانت منطلق الكثيرين وكان يحررها الكتاب من كل عمان.
• بعد أيام سيفتتح أكبر عرس ثقافي في السلطنة وهو معرض الكتاب هل ترى أن هذه الظاهرة تستغل وتفعل بالشكل الذي يرضي المشهد الثقافي في السلطنة؟
لا أعتقد ذلك . لا من حيث الفعاليات المصاحبة له ولا حتى من حيث ظروف اقتناء الكتاب .فالكثير من دور النشر تتجه للمعارض المحيطة مثل معرض الرياض وهذا أثر على معرضنا لأن الظروف الشرائية في السلطنة أقل حيث عدد السكان في المملكة العربية السعودية أكبر مما هو عندنا لذلك يتجه الناشر إلى معرض الرياض.
وحتى الشراء الذي تقوم به المؤسسات الرسمية لا يتوزع على كل المعرض، فدور النشر الفكرية والكتاب الحديث لا ينالها الكثير، وجل التوجه يذهب إلى الكتاب القديم. وينبغي علينا بقدر ما نوجه أولادنا لقراءة المتنبي والتوحيدي نوجههم كذلك لقراءة محمود درويس وروايات ماركيز وامين معلوف وجمال الغيطاني . وهناك مبالغ تصب من المؤسسات الحكومية ولكن تتجه نحو دور نشر معينة. يفترض أن جزءا من تلك المبالغ الكبيرة تذهب للشراء من الدور التي تعنى بالكتاب الحديث وبالكتب الفكرية.
عندما افتتح معرض الرياض وتعارض مع معرضنا الكثير من الناشرين ذهبوا إلى هناك. لهذا ندعو المسؤولين في المعرض أن يناقشوا هذه الفكرة. الشيء الآخر أن الفعاليات المصاحبة للمعرض ليست في حجم الطموح. في بداية المعرض كانت أسماء كبيرة ومثقفين يحضرون المعرض لها شهرتها ومكانتها الآن ومن سنوات أصبحت