الحسـد ثِقْلٌ لا يضعه حامله. ‏

 


جدارية محمود درويش على مسرح جواد الأسدي

آفاق ـ الشبيبة : هل التجاور بين الفنون كلها، هي التي دفعت المخرج العراقي جواد الأسدي إلى مسرحة شعر محمود درويش؟ أم أن التجاور بين الشعر والمسرح هو الذي دفعه إلى تقديم "حالة حصار"على مسرح بابل في بيروت. إنه عرض مسرحي مستوحى من نصوص شعرية لمحمود درويش.وجاء العرض أشبه بتحية للشاعر الراحل وقراءة لعلاقة قصيدته بجدلية الموت والحياة والألم والوضع الفلسطيني المزمن. "حالة حصار" هو عنوان أحد دواوين درويش،وهنا تبدو حالة حقيقية، أشبه بكابوس مزعج، حالة من الصعب استيعابها. تقود إلى عزلة وواقع دمرته الوقائع الأليمة،ومن الصعب شرح مردود الوجع أو الآثار حين تصير الحياة غير طبيعية والدمار المشترك الذي يصيب القصيدة والمسرحية ولوحة الحياة الناقصة، الذي يصيب الحياة ككل في ظل حالة الحصار.

بصوت قوي، مرتجا على المسرح يقرأ ممثلو جواد الأسدي مقاطع من "الجدارية" و"لماذا تركت الحصان وحيداً" عبر صياغة جديدة، كأنها مستوحاة من نصي درويش تنشر في "حالة حصار" إذ يقول:

"لا تثق بالقصيدة،

بنت الغياب،

فلا هي حدسٌ

ولا هي فكر،

ولكنها حاسة الهاوية.

الكتابة جرو صغير يعض العدم

الكتابة تجرح من دون دم..."

يقدم الأسدي لجمهوره صدمات متتالية على مدى ثلاثة أرباع الساعة، بقايا ألوان، علم فلسطين على الجسد، ألوان أولية، رسوم وترشيحات متناثرة على الجسد، الحواس لدى الممثلين الثلاثة هذيانية والجسد كله أو بكليته الفيزيائية على الخشبة.

إنها تراجيديا مثل الكابوس، تحت الإضاءة السوداء والصفراء المعتمة توحي بالداخل، بالفاجع، وشخصيات العرض عنيفة، طاغية على الخشبة بهيئات خارجة من نفق، غير صالحة لقصيدة تسرح غبار شعرها ورائحة الدم في جسدها طازجة وبوسيلة شعرية.

هناك حشرجة أصوات بنبرة درامية عالية وصراخ تصير معه القصائد المقروءة القليلة جسداً عنيفاً، يتحرك في طقوس في سواد وحديد وعبر ملامح قاسية جداً.

هناك أيضاً توقف عند فكرة أرض فلسطين، والجدران الفلسطينية المرتفعة والعار الذي لحق بالفلسطينيين الذين غادروا بالعام 1948 والحرب المستمرة والغربة والتعذيب والاعتقال في حركة مسرحية هادفة تغني الأرض والإحلام الضائعة وموت الروح، وموت القطارات، والذكريات المتمجدة يفاجئنا في عزلة الحيطان المعدنية وتحاصرنا حين تحضر نعوشها الهائمة، كما في قلب جنازة نازفة.

المخرج جواد الأسدي أراد رسم صورة عن مقاطع شعرية كانت قليلة أسقط عليها مسرحاً أوسع من طقوسيات المأساة الممتدة من فلسطين الى العراق مع جملة واحدة تتكرر "حبوني بحرف النون.." و"لماذا تركت الحصان وحيداً" تجر معها كل القوافي المدمرة، في نص محمود درويش.

تتصاعد الضربات على الجدران، تفتح النوافذ وتغلق في مضمون سياسي اكثر منه شعري وما عبر عنه بالحركات الجسدية المتفجرة وبذلك الايقاع المعدني الصارم وقع في ميلودرامية تترك اثراً صعباً.

يبتعد جواد الاسدي عن النص الانشائي الغنائي التقليدي فيذهب نحو الغبار، الدخان، الدم، والحالات الكلامية المتفجرة، ويصعد بحصانه الى أعلى الجدار ما قبل واثناء وبعد الاحتلال فيخلط القصيدة مع الظلم والجوار والصمود والهزيمة والعار والاستسلام لمجاميع أسباب وعناصر واشياء واصوات مسرحية غنائية حقيقية، صارخة، صادمة في حجم شخصية طويلة كمحمود درويش عرفت كيف تمتلك كلماتها، والمنصات الطويلة وعرفت كيف تطعم حديد قصائدها الى اشجار الغاردينيا فتصوغ خطابها شعراً، وروداً من دم.

إنها تجربة مسرحية جديدة ونابضة من تجارب جواد الأسدي، الذي يعمل بأدوات بسيطة في كثير من الأحيان، لكنه يتمكن من تقديم مسرح حافل بالطقوس لا يمكن رؤيته ونسيانه ببساطة، فالعرض يعلق في الذهن لزمن طويل لما يترك في الذاكرة من أثر فني عذب. .

 

 



 

ضع رقمك على شكل
968xxxxxxxx





بحث متقدم

لا توجد صفحات اضافية