ظلُّ السلطَانِ سَريـعُ الزَوَالِ. ‏

 


متحف عُمان للفن المعاصر


متحف عُمان للفن المعاصر

عبدالكريم الميمني

     في وطننا الجميل يُرفع العتب عن فئة الحالمين، وآمال الطالبين، وتُعطي الرغبات والأمنيات فسحة للتأمل لتأخذ بعد بُرهة مكانها الشرعي في جسد وكيان هذا الوطن كواقع مُعاش يَسعَد بتحقيقه كل ذي شأن فيه، كيف لا ونحن نزهو فخراً وعزاً بأن قيض الله لعمان وشعبها رجلاً عظيماً ساق الله على يديه كل خير وأنار بحكمته كل طريق، حتى طاولنا العلياء بما تحقق لهذا الوطن من منجزات على كل صعيد ـ فالحمد لك ربي والشكر على ذلك ـ وللثقافة كما لغيرها معالم شامخات يتراءى وهجها للجميع، وثمار فكرها الحصيف يعرفه كل قريب وبعيد، بما تقدمه من مستوى راق وتعابير لونية صُبغت بأصالة وجمال هذا الوطن، وحُق للفنون التشكيلية التي تعتبر واحدة من أهم أطراف جسد الثقافة العمانية أن تفتخر بما أوتيت من اهتمام وتكريم ضمن منظومة النسيج الثقافي لهذا الوطن، فأنشئت لها المؤسسات التي ترعى هذه الفئة وتقوم على تذليل كل صعب يعتريها، وتوفير كل حاجة تخصها، حتى ارتقت بنتاجات مبدعيها، وقدمتهم للعالم بكل فخر، ومُشرفةً مجتمعها بين بقية الأمم والشعوب خير تشريف، ولا تزال كلمات الإعجاب التي سمعتها من كل من شاهد النتاجات التشكيلية لأبناء هذا الوطن في الداخل والخارج ترن في أذني طرباً، وكانت تُدلل على قوة الحضور العماني في كل محفل خليجي أو عربي أو قاري بما تقدمه السلطنة من إجادة ورقي في الأعمال التي تعرضها، ذلك لأن الفن العماني المعاصر وبشهادة الكثيرين يُساير الفن العالمي بقدر يُلائم مزاج وتقاليد البيئة العمانية وأصالتها الثقافية، والفنان العماني المخلص يمشي بفنه على ضوء هذه المنظومة المتميزة لهذا الوطن ذي الهوية الخليجية، والعربية، والإسلامية مُراعياً الزمن في حياة هذا الفن، وترتسم في طليعة عمله الفكرة التوجيهية التي ترفع من درجة الإعجاب بجمال بلاده وتاريخها إلى تربية الإحساس الجمالي الصحيح فيه لكي يُكّون عنده مثلاً أعلى يُحب فيه الحياة التي يرى فيها قيمة ومعنى.
ومع استمرارية العطاء التشكيلي للفنانين العمانيين بفضل وجود المؤسسات الحكومية الراعية لهذا الحقل، وكذلك بفضل جهودهم ومثابرتهم الشخصية في تطوير مستوياتهم الفنية والارتقاء بها، فإننا نرى الازدياد المطرد في أعداد الأعمال الفنية التي تمتلئ بها أماكن التخزين في تلك الدور الراعية، وكذلك بيوت الفنانين أنفسهم، حتى أنه في ظل بيع الأعمال الفنية للأفراد والجهات الراغبة في اقتناء تلك الأعمال، فإن واقع الحال يشير إلى أن مستوى العرض والطلب لا يزال ضعيفاً في مجتمعنا من هذه الناحية إذا ما قارناها بأعداد الفنانين الذين يلدهم الوطن ويتميزون بالحنكة والجدارة في تقديم الجديد والمتطور في هذا الجانب، وأعتقد بأن الوقت حان ليُنشأ في هذا الوطن متحف للفنون التشكيلية المعاصرة ليكون مَعلماً ثقافياً جديداً يصطف بفخر مع بقية المؤسسات الثقافية العُمانية، فتحقيق هذا الحلم معناه زيادة الاعتناء والتنظيم لهذا القطاع الحيوي الثقافي، ومعها سترتفع حتماً منار ثقافة هذا الوطن ونشر معالم حضارتها إلى مكان يُشرف ديارها ويُعلي مكانتها بين الأمم، ليشعر المتلقي لهذه الفنون باحترام تام وإعجاب كبير لعظمة وسمو هذا الوطن ورقي أمجاده وثقافته وعلو منزلته في عالم الفكر والحضارة.

    وبما أن الفنون لغة عالمية، فقد ثبت بأن الغربيين يهتمون كثيراً بإنشاء المتاحف الفنية التي في نظرهم ونظر كل عاقل مدرسة كبيرة، تعرف من خلالها على طباع البشر وأمزجتهم ونوع حضارتهم وأسلوب تفكيرهم فهم بذلك يتتبعون سلسلة التاريخ ويدركون ثقافة الأمم عن كثب. وعلى ذلك نشرت إحدى الصحف الإيطالية عندما كانت تبحث في أمر الفنون في اقتصاديات البلاد فقالت: "لو أننا قدّرنا ما دفعه بابوات روما وملوك إيطاليا للفنانين لعمل اللوحات والتحف الفنية التي تتمتع بها والعالم أجمع منذ أجيال إلى اليوم وفي المستقبل، ولو عددنا ما دفعوه لهؤلاء الفنانين من أجرة ثم قارناها بما دخل إلى البلاد من أموال السياح والمعجبين بحضارتنا، لوجدنا أن الفائدة من ريع تلك الآثار الفنية أعظم من أن تحصى. زد على ذلك أنها جعلت بلادنا محجة الأمم ومفخرة لكل مواطن". وعلى ذلك فإن أمر إنشاء متحف خاص بالفن التشكيلي العماني المعاصر بات من الأشياء المهمة لنجمع تحت مظلتها النتاجات التشكيلية التي أنتجها الفنانون العمانيون الرواد منذ بداية الحركة التشكيلية الأولى، كونها الباعث والمحرك الأساسي للنهضة الفنية بالسلطنة، وكذلك ليضم بين جنباته أكثر الأعمال الفنية تميزاً التي أُنتجت خلال السنوات الأولى من عمر النهضة العمانية الحديثة وما قبلها، وأبرز ما سينتج خلال الزمن القادم في شتى المجالات الفنية التي يتعاطاها الفنان العماني كالرسم والتصوير والنحت والحفر والخط العربي والتشكيلات الحروفية والفنون المفاهيمية وغيرها من المجالات. هذه مجرد هواجس وأماني تقلب فكري فيها منذ فترة ليست بالقريبة، ولا زالت نفسي تتمنى أن ترى مثل هذا المتحف الفني التخصصي عياناً ليكون شاهداً على الحضارة الثقافية التي تشهدها السلطنة ومدى رقي وجمال الإنسان العماني.

al-maimani@hotmail.com

 



 

ضع رقمك على شكل
968xxxxxxxx





بحث متقدم

لا توجد صفحات اضافية